اقلام وكتابات

خيانة دولة الوحدة لعدن : حين جرى التعامل معها كمحافظة شأنها شأن أي محافظة، لا كعاصمة وفق الاتفاقية

الجنوب بوست/خاص

كتب الدكتور شيخ بانافع

 

عندما تم الاتفاق عام 1990م على أن تكون عدن عاصمة شتوية وصنعاء عاصمة صيفية، لم يكن ذلك مجرد ترتيب بروتوكولي أو تفصيل شكلي ضمن اتفاقيات الوحدة، بل كان تعبيرًا عن شراكة سياسية وإدارية جنوبية يُفترض أن تحمي التوازن بين طرفي الوحدة، وتمنع احتكار العاصمة والسلطة والثروة في مدينة واحدة.

 

غير أن تم التراجع عن مضمون الشراكة، ورسخة عقلية الضم والالحاق وانكمشت مكانة عدن تدريجيًا، وتركزت السلطة والقرار والمؤسسات في صنعاء، بينما تحولت عدن، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وميناء ومطار وبنية إدارية واقتصادية، إلى مدينة تُدار من المركز بدلًا من أن تكون شريكًا في إدارة الدولة.

ثم جاءت أحداث عامي 2014م و2015م، وسيطرة الحوثيين على صنعاء، لتعود عدن إلى الواجهة بوصفها الملاذ السياسي والإداري للدولة الشرعية الشريدة . وأُعلنت عاصمة مؤقتة باعتبار ذلك إجراءً استثنائيًا إلى حين استعادة صنعاء وهذا خطاء اخر يجسد العقلية التبعية . ومع ذلك فتحت عدن أبوابها لمؤسسات الشرعية، واستقبلت الحكومة والوزارات والبنك المركزي والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، وتحملت أعباء الحرب والنزوح والانهيار الخدمي والاقتصادي والأمني.

لكن المفارقة المؤلمة أن الشرعية التي اتخذت من عدن مقرًا لها لم تتعامل معها بوصفها عاصمة دولة تستحق الاستقرار والبناء والتمكين، بل استمرت في إدارتها بعقلية الطوارئ والتأجيل. فبقيت وزارات وهيئات ومؤسسات سيادية خارج عدن في مأرب وسيؤن والرياض ، وتعمل منها بصورة جزئية وموسمية، وظل كثير من المسؤولين يديرون شؤون الدولة من الخارج بالوتس اب وبرمجيات الاتصال الاخرى ، بينما تُركت عدن تتحمل وحدها تبعات وجود الدولة فيها، من دون أن تنال المقابل الطبيعي من الخدمات والاستثمارات والبنية المؤسسية والحماية الاقتصادية.

إن وصف عدن بـ«العاصمة المؤقتة» تحوّل، مع مرور السنوات، من توصيف لمرحلة استثنائية إلى ذريعة عملية لتجميد انتقال مؤسسات الدولة إليها. فبدل أن يكون وجود الوزارات والهيئات السيادية في عدن التزامًا وطنيًا، أصبح قرارًا قابلًا للتأجيل أو الانسحاب، وبدلًا من أن تُبنى فيها دولة مستقرة، بقيت تُدار كمدينة انتظار.

وهنا يتجسد الظلم الواقع على عدن؛ فهي المدينة التي حملت عبء الشرعية حين فقدت صنعاء، واستقبلت مؤسسات الدولة، لكنها لم تُعامل بما يليق بهذا الدور. تحملت الضغوط الأمنية والاقتصادية والخدمية، وتضرر سكانها من انهيار الكهرباء والمياه والصحة والتعليم وارتفاع الأسعار، فيما بقيت الدولة التي تعمل من أرضها عاجزة عن تحويل وجودها فيها إلى مشروع مؤسساتي حقيقي .

وقد يقول البعض إن المجلس الانتقالي هو من طرد الحكومة أو حدّ من وجودها في عدن، وإنه كان يتدخل في شؤونها. هذا الطرح صحيح الى حدا" ماء لكن هذا الامر يتجاهل أصل المشكلة وتسلسلها؛ فعدن لم تُهمَّش بسبب أحداث طارئة أو خلافات لاحقة، بل جرى التعامل معها منذ سنوات طويلة باعتبارها محافظة عادية لا تفرق عن حديبو عاصمة سقطرى ، لا عاصمة شريكة وفق ما نصّت عليه اتفاقية الوحدة.

كما أن الحكومة نفسها لم تؤدِّ التزاماتها تجاه عدن، لا من حيث انتظام حضور مؤسساتها، ولا من حيث توفير الخدمات والبنية التحتية، ولا من حيث تمكين المدينة من ممارسة دورها السياسي والإداري كعاصمة. ولذلك فإن اختزال قضية عدن في خلاف مع المجلس الانتقالي برر لشرعية ذلك لكن منذ مطلع عام 2026م السؤال الأهم: لماذا تُركت عدن بلا مؤسسات دولة فاعلة، وبلا صلاحيات العاصمة، وبلا نصيب عادل من الاهتمام والموارد واستمر مجلس القيادة بالاقامه والحكم من الرياض ؟

إن استمرار الشرعية في هذا النهج لا يضعف عدن وحدها، بل يضعف الدولة نفسها؛ لأن الدولة لا يمكن أن تستعيد حضورها وهي تدير مؤسساتها من الخارج، ولا يمكن أن تطلب من المواطنين الثقة بها وهي غير قادرة على تثبيت عاصمتها ومقرها الإداري والسياسي.

 

إنصاف عدن لا يكون بالشعارات، ولا بتحويلها إلى ساحة صراع بين القوى، بل بقرار سياسي وإداري واضح يعيد الاعتبار لها كعاصمة للدولة، ويجعلها مقرًا فعليًا ومستقرًا لمؤسساتها. وذلك يقتضي نقل الوزارات والهيئات السيادية والبعثات الرسمية إليها، وتمكينها من الموارد والصلاحيات والاستثمارات اللازمة.

فعدن ليست محطة مؤقتة للشرعية، ولا مدينة تُستخدم عند الحاجة ثم تُترك لتواجه أزماتها وحدها؛ بل هي مدينة دولة، ومكانتها يجب أن تُصان بالفعل لا بالشعارات.

الأمن الوطني بعدن يوضح ملابسات إطلاق النار على أحدى دوريتها من قبل مسلح في المنصورة


مجلس القيادة يؤكد اتخاذ جميع الإجراءات لمنع انتهاك السيادة اليمنية


خيانة دولة الوحدة لعدن حين جرى التعامل معها كمحافظة شأنها شأن أي محافظة، لا كعاصمة وفق الاتفاقية


السقلدي يكشف إلغاء صفقة تـبـادل الأسـرى المقررة غداً وسط رفض شعبي