في الذكرى الـ51 لعيد العلم وتأسيس جامعة عدن التعليم أساس بناء الإنسان والدولة
بقلم: علي ناصر محمد
يحلّ العاشر من سبتمبر هذا العام، حاملًا معه الذكرى الحادية والخمسين لعيد العلم وتأسيس جامعة عدن في 10 سبتمبر 1975، برئاسة الأستاذ الدكتور محمد جعفر زين، أول رئيس للجامعة، وهي مناسبة وطنية عزيزة ارتبطت في ذاكرتنا بمرحلة مهمة من تاريخ التعليم وبناء الدولة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وبهذه المناسبة، نهنئ شعبنا وكل الأجيال التي حملت رسالة العلم والتعليم، من المعلمين والأساتذة والطلاب والباحثين الذين ساهمو في بناذ الدولة ونستعيد باعتزاز تلك المرحلة التي آمنّا فيها بأن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق إلا ببناء الإنسان، وأن التعليم هو الطريق الحقيقي إلى التقدم والتنمية والاستقلال الوطني.
عند تأسيس جامعة عدن عام 1975، أعلنت يومها أن العاشر من سبتمبر من كل عام سيكون عيدًا للعلم، تقديرًا للعلم والمعرفة وللدور الذي يؤديه المعلم والطالب في بناء المجتمع. كما حرصنا على تكريم العشرة الأوائل من طلبة الثانوية العامة، وقررنا إيفاد من يرغب منهم للدراسة في الخارج، تقديرًا لتفوقهم وتشجيعًا لهم على مواصلة تحصيلهم العلمي والعودة للمساهمة في بناء وطنهم.
وفي المناسبة نفسها، أعلنا مشروعًا شاملًا لإعادة النظر في المناهج التعليمية لمختلف المراحل، ابتداءً من رياض الأطفال وحتى التعليم الجامعي، بعد أن كانت المناهج قبل ذلك خليطًا من المناهج المحلية والمصرية والسورية والعراقية.
ولهذا الغرض، شُكّلت لجنة تربوية برئاسة الدكتور حسن السلامي، الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للتربية والتعليم، وتولت اللجنة الإشراف على إعداد وتطوير المناهج التعليمية بما يتناسب مع احتياجات المجتمع ومتطلبات بناء الدولة الحديثة.
وكان من بين الخطوات المهمة في تلك المرحلة دمج المرحلتين الابتدائية والإعدادية فيما عُرف آنذاك بـ«المدرسة الموحدة»، وإدخال التعليم والتدريب المهني والفني ضمن هذه المرحلة، حتى يتمكن الطلاب الذين لا تسمح ظروفهم بمواصلة الدراسة من اكتساب مهنة أو مهارة تساعدهم على الالتحاق بسوق العمل وفق احتياجات التنمية آنذاك، بينما يواصل الطلاب الذين تسمح ظروفهم بذلك تعليمهم الثانوي ثم الجامعي.
ونحن نعتبر إعداد وتدريس مناهج يمنية لهذه المراحل إنجازًا علميًا وتربويًا وطنيًا نعتز به في الماضي والحاضر، لأنه كان جزءًا من عملية بناء مؤسسات الدولة وتعزيز شخصيتها الوطنية.
ولم تكن الطريق سهلة، فقد كنا نواجه في بداية تلك المرحلة شحًا واضحًا في أعداد المعلمين والمدرسين في مختلف المراحل التعليمية، إلا أننا وضعنا خطة تربوية لمعالجة هذه المشكلة بصورة تدريجية، تقوم أساسًا على إعداد الكادر الوطني المؤهل.
وأتذكر أن الطلاب المتفوقين في الثانوية العامة كانوا يتجهون في الغالب إلى التخصصات العلمية، كالطب والهندسة وغيرها، وهذا من حقهم، بينما كان هناك عزوف نسبي عن الالتحاق بكلية التربية. ومن هنا اتخذنا قرارًا بتوجيه عدد من أوائل الطلاب إلى كلية التربية في عدن وفروعها في المحافظات، لأننا كنا نرى أن بناء الطبيب والمهندس والقاضي وسائر الكفاءات يبدأ أولًا ببناء المعلم القادر على إعداد الأجيال.
واستمر هذا التوجه خلال مرحلة معينة حتى استطعنا تكوين قاعدة من الكوادر التعليمية الوطنية. كما مُنح الطلاب الملتحقون بكلية التربية منحة مالية مقدارها عشرة دنانير شهريًا، أي ما كان يعادل نحو ثلاثين دولارًا في ذلك الوقت، تشجيعًا لهم على الالتحاق بمهنة التعليم.
وقد شهدت السنوات الممتدة من عام 1975 إلى منتصف الثمانينيات طفرة تعليمية ملحوظة على مختلف المستويات، سواء في الداخل أو من خلال البعثات الدراسية إلى الخارج. ولم يكن هدفنا مجرد زيادة أعداد المدارس والطلاب، بل توسيع قاعدة التعليم في المجتمع كله، باعتباره حقًا وطنيًا وأداة للتحرر من التخلف والفقر.
وقد استخدمنا التعليم سلاحًا فعّالًا لكبح حرب المناطق الوسطى، حيث أُنشئت مدارس «النجمة الحمراء» بهدف تسليح أبناء الجبهة الوطنية آنذاك بالعلم بدلًا من السلاح، وإتاحة فرصة لهم للابتعاد عن أجواء الحرب والاقتتال.
كما جرى إرسال ما يقارب 300 طالب منهم إلى كوبا، لإبعادهم عن جحيم الحرب ونقلهم إلى نور العلم والمعرفة. فتخرّج منهم الطبيب والمهندس والمعلم وغيرهم من الكوادر التي أسهمت لاحقًا في بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها بعد انتهاء الحرب عام 1982.
وكان للعلم والتعليم دور رئيسي في الحد من آثار الحرب والمساهمة في وقفها، إذ جرى تحويل طاقات الشباب من ميادين القتال إلى ميادين العلم والبناء، ليصبح التعليم أحد أهم أدوات السلام وبناء الدولة.
وتُوّجت هذه المسيرة بالحملة الشاملة لمحو الأمية في عامي 1984 و1985، التي أعلنا عنها في مدينة شبام التاريخية بحضور المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» آنذاك، أحمد مختار أمبو. وتُوّجت هذه الجهود بإشادة اليونسكو بالتجربة التعليمية في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وما حققته من تقدم كبير في مكافحة الأمية، حيث وصلت نسبة الأمية، وفق ما أُعلن آنذاك من قبل اليونسكو إلى نحو 2.5 في المئة.
لقد كان كل ذلك نابعًا من قناعة راسخة لدينا بأن التعليم هو أساس كل تطور، وأن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر. فالدولة التي لا تستثمر في الإنسان لا تستطيع أن تصنع تنمية مستدامة مهما امتلكت من الموارد.
ولذلك لم تكن النهضة التعليمية منفصلة عن النهضة الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد في تلك المرحلة، بل كانتا مسارين متكاملين. فقد شهدت البلاد طفرة إنتاجية ونشاطًا في مختلف المشاريع الزراعية والصناعية والعمرانية، وأسهمت هذه المشاريع في استيعاب أعداد كبيرة من الكوادر الوطنية المتخرجة من الجامعات والمعاهد والمدارس المهنية، الذين شاركوا بدورهم في بناء مؤسسات الدولة وإدارتها وتطويرها.
كما شهدت عدن توسعًا عمرانيًا ملحوظًا من خلال إنشاء عدد من الأحياء والمشاريع السكنية، ومنها حي عبدالعزيز الذي أُقيم بدعم من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلى جانب أحياء عمر المختار ووديع حداد ونجوى مكاوي وريمي وسنافر وغيرها، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية والخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والطرق، بما يواكب التوسع السكاني والعمراني.
وكانت سياستنا تقوم على أن القروض والمساعدات التي تحصل عليها الدولة يجب أن تُوظف لخدمة الشعب ومشاريع التنمية، لا أن تتحول إلى مصدر للإثراء الشخصي أو الفساد. ولهذا حرصنا على أن تذهب الإمكانات المتاحة إلى المدارس والجامعات والمستشفيات والمساكن والمصانع والمزارع ومشاريع البنية التحتية، وقد شهدت المنظمات الدولية في ذلك الوقت بحسن توظيف المساعدات والقروض المخصصة للتنمية.
واليوم، وبعد مرور واحد وخمسين عامًا على تأسيس جامعة عدن وإعلان عيد العلم، لا نستعيد هذه التجربة من باب الحنين إلى الماضي، وإنما من أجل استخلاص دروسها للمستقبل.
فالأوطان لا تُبنى بالحروب، ولا تنهض المجتمعات بالسلاح، وإنما تنهض بالعلم والمعرفة والعمل والإنتاج. واليمن اليوم، بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والمعاناة، أحوج ما يكون إلى إعادة الاعتبار للتعليم والمعلمين اشباه الرسل والمدرسة والجامعة والبحث العلمي، وإلى مشروع وطني يعيد بناء الإنسان اليمني ومؤسسات الدولة معًا.
إن الاستثمار الحقيقي والأبقى هو الاستثمار في الإنسان. فقد تتعرض المباني والمصانع والطرق للدمار ويمكن إعادة بنائها، أما تدمير التعليم وضياع أجيال كاملة فهو الخطر الأكبر على حاضر الوطن ومستقبله.
وفي الذكرى الحادية والخمسين لعيد العلم وتأسيس جامعة عدن، نستذكر بكل التقدير والوفاء رؤساء جامعة عدن الذين تعاقبوا على قيادتها منذ تأسيسها: الأستاذ الدكتور محمد جعفر زين، أول رئيس للجامعة، والأستاذ الدكتور سعيد عبد الخير النوبان، والأستاذ الدكتور سالم عمر بكير، والأستاذ الدكتور محمد سعيد العمودي، والأستاذ الدكتور صالح علي باصرة، والأستاذ الدكتور عبد الكريم يحيى راصع، والأستاذ الدكتور عبد الوهاب عبده راوح، والأستاذ الدكتور عبد العزيز صالح بن حبتور، وصولًا إلى رئيسها الحالي الأستاذ الدكتور الخضر ناصر لصور.
ونحيّي بهذه المناسبة كل من أسهم في تأسيس الجامعة وتطويرها، من رؤساء وعمداء وأساتذة وباحثين وإداريين وطلاب، وكل من حمل رسالة العلم والمعرفة بإخلاص ومسؤولية على امتداد أكثر من نصف قرن.
وإذا كان لنا من رسالة في هذه المناسبة، فهي أن اليمن يستطيع أن ينهض من جديد متى ما جعل الإنسان محور التنمية، والتعليم أساسها، والسلام طريقها، والعمل والإنتاج وسيلتها.
فالاستثمار في العلم ليس استثمارًا لجيل واحد، بل هو استثمار في مستقبل وطن بأكمله.