تحليل: السعودية تراهن على التحالفات الدفاعية لتجنب الانزلاق إلى الحرب
تجد المملكة العربية السعودية نفسها بصورة متزايدة في قلب صراع إقليمي لم تسعَ إليه، في وقت تكثف فيه جهودها لبناء تحالفات دفاعية إقليمية تهدف إلى تعزيز الردع وحماية أمنها ومصالحها الاقتصادية، دون الانجرار إلى حرب أوسع في المنطقة.
وبحسب تحليل لوكالة «رويترز»، تراهن الرياض على التحالفات الدفاعية باعتبارها وسيلة لتعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات القادمة من إيران وحلفائها في المنطقة، بالتوازي مع استمرارها في إعطاء الأولوية للمسار الدبلوماسي وتجنب الانخراط المباشر في الحرب.
وتشمل التحركات السعودية مساعي لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات في البحر الأحمر، إلى جانب اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها المملكة مع تركيا وباكستان في مكة المكرمة، في خطوة تعكس توجهاً نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر اتساعاً.
ورغم هذه التحركات، لا تزال السعودية تواجه هجمات من جهات مرتبطة بإيران، بما في ذلك جماعة الحوثيين في اليمن وفصائل عراقية، وهو ما يضع الرياض أمام معادلة صعبة تتمثل في حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية ومشروعاتها الاقتصادية، مع تجنب التحول إلى طرف مباشر في صراع إقليمي واسع.
ضبط النفس السعودي يواجه اختباراً
ويرى محللون ودبلوماسيون أن اعتماد الرياض على ضبط النفس والتحرك الدبلوماسي لم يمنع استمرار الهجمات، بل إن بعض خصومها قد يفسرون هذا النهج على أنه مؤشر على عدم استعداد المملكة للرد عسكرياً.
ونقل تحليل «رويترز» عن عزيز الغشيان، المحلل السعودي والزميل البارز غير المقيم في منتدى الخليج الدولي، قوله إن إيران وحلفاءها يعتقدون أن السعودية لن ترد، وإن ضبط النفس السعودي فُسّر باعتباره قبولاً ضمنياً باستهداف المملكة، الأمر الذي يجعل إيجاد وسيلة فعالة للردع تحدياً رئيسياً أمام الرياض.
وأضاف أن التحدي يتمثل في تحقيق التوازن بين تعزيز الردع ومنع الهجمات، وبين عدم الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وجاء ذلك في ظل تعرض المملكة لهجمات استهدفت منشآت نفطية ومصالح حيوية، فيما شهدت المنطقة تصعيداً متزامناً مع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
من الدبلوماسية إلى الرد العسكري المحدود
ومنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير، سعت السعودية في البداية إلى احتواء تداعيات التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية.
وتمكنت الرياض خلال فترة من تحقيق هدوء نسبي مع إيران، بالتزامن مع دخول وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن حيز التنفيذ في أبريل، الأمر الذي عزز موقع المملكة باعتبارها طرفاً يسعى إلى الاستقرار في منطقة الخليج.
لكن هذا الهدوء تعرض للاختبار خلال الأسابيع الأخيرة مع تعرض المملكة لهجمات من اليمن والعراق، طالت منشآت نفطية وحركة الملاحة في ممرات مائية استراتيجية، من بينها مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وقبل نحو أسبوعين، نفذت السعودية والولايات المتحدة غارات جوية مشتركة ضد فصائل عراقية قالتا إنها متورطة في الهجمات على المملكة، في أول رد سعودي معلن خلال الحرب، مع حرص الرياض على عدم الظهور كطرف مباشر في القتال إلى جانب واشنطن وإسرائيل.
وبعد ذلك أعلنت السعودية توجهها لقيادة تحالف دفاعي بحري في البحر الأحمر.
اتفاقية مكة ورسالة إلى إيران
وجاءت الخطوة الأبرز الأسبوع الماضي مع توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، في اتفاق يعكس رغبة الرياض في تعزيز شراكاتها الدفاعية وتوسيع شبكة الردع الإقليمي.
وترى ياسمين فاروق، مديرة مشروع منطقة الخليج في مجموعة الأزمات الدولية، بحسب ما أورده تحليل «رويترز»، أن الاتفاقية والتحالفات الجديدة تحمل رسالة إلى إيران مفادها أن السعودية مستعدة للذهاب إلى مدى أبعد بعدما استنفدت الخيارات الدبلوماسية أولاً.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن التحالفات الجديدة لم توقف الهجمات بصورة كاملة، إذ وقع هجوم جديد للحوثيين على منشآت نفطية في المملكة بعد توقيع اتفاقية الدفاع.
وتشير هذه التطورات إلى أن الرياض تحاول بناء منظومة ردع جديدة تقوم على الشراكات الدفاعية والتنسيق الإقليمي، مع الإبقاء على باب الدبلوماسية مفتوحاً، في محاولة لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تهدد أمن المملكة ومشروعاتها الاقتصادية الطموحة.
ويرى التحليل أن المعضلة الأساسية أمام السعودية خلال المرحلة المقبلة ستتمثل في كيفية إقناع خصومها بأن ضبط النفس لا يعني غياب القدرة أو الإرادة على الرد، مع المحافظة في الوقت ذاته على سياسة تجنب التورط في صراع إقليمي مفتوح.